الشيخ محمد رشيد رضا

196

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ * * * انتهى بالآية التي قبل هاتين الآيتين فصل من فصول قصة موسى عليه السّلام وهاتان الآيتان استئناف مرتب على جملة ما تقدمه منها بين اللّه فيه لخاتم رسله في الأولى منهما سنته في ضلال البشر بعد مجيء البينات في كل زمان ويدخل فيه قوم فرعون من الغابرين دخولا أوليا وينطبق على رؤساء كفار قريش المعاندين له ( ص ) من الحاضرين وبين في الثانية جزاءهم على تكذيبهم وكفرهم ، قال : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ هذا بيان لسنته تعالى في تكذيب البشر لدعاة الحق والخير من الرسل وورثتهم وسببه الأول التكبر فان من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى لأجل اتباعه فهم يكونون دائما من المكذبين بالآيات الدالة على عليهما الغافلين عنها وتلك حال الملوك ولرؤساء والزعماء الضالين كفرعون وملئه وإنما ذكرت هذه السنة العامة من أخلاق البشر بصيغة المستقبل لاعلام النبي ( ص ) بأن الطاغين المستكبرين من مشيخة قومه لن ينظروا في آيات القرآن الدالة على صدقه ( ص ) في دعوى الرسالة من وجوه كثيرة بيناها مرارا ، والدالة على وحدانية اللّه تعالى بما اقامته عليها من البراهين الكثيرة ولا في غيرها مما أيده ويؤيده به من آياته الكونية لتكبرهم في الأرض بالباطل فوجهة نظرهم تنحصر في تفضيل أنفسهم عليه ( ص ) بأنهم سادة قريش وكبراؤها واغنياؤها واقوياؤها فلا يليق بهم أن يتبعوا من هو دونهم سنا وقوة وثروة وعصبية ، والمعنى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق من قومك أيها الرسول ومن غيرهم في كل زمان ومكان كما صرفت فرعون وملأه عن آياتي